ابن كثير
59
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما حل له إلا أن يتبعني » . وفي بعض الأحاديث « لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي » . فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد ، لكان هو الواجب طاعته المقدم على الأنبياء كلهم ، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس ، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل جلاله لفصل القضاء بين عباده ، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له ، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به صلوات اللّه وسلامه عليه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 83 إلى 85 ] أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) يقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين اللّه الذي أنزل به كتبه ، وأرسل به رسله ، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، الذي لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي استسلم له من فيهما طوعا وكرها ، كما قال تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 15 ] وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 48 - 50 ] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه للّه ، والكافر مستسلم للّه كرها ، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع . وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة ، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن النضر العسكري ، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي ، حدثنا محمد بن محصن العكاشي ، حدثنا الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، « أما من في السماوات فالملائكة ، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام ، وأما كرها فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون » . وقد ورد في الصحيح « عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل » وسيأتي له شاهد من وجه آخر ، ولكن المعنى الأول للآية أقوى . وقد قال وكيع في تفسيره ، حدثنا سفيان عن منصور ، عن مجاهد وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الزمر : 25 ] قال : هو كقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ